السيد محمد حسين الطهراني

111

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

المتروكة والمعاجم اللغويّة ، فيجعلونها مكان الألفاظ العربيّة المليحة السهلة المأنوسة التي دخلت في الفارسيّة فأضفت عليها ملاحةً عجيبة . وكان هناك في زمن رضاخان وابنه محمّد رضا البهلويّ مؤسّسة في البلاط ترتبط بوزارة المعارف والثقافة بخصوص هذه الأمور ، وكانت تبذل قصارى وُسعها في محو الثقافة الإسلاميّة والمفردات العربيّة . وكانوا يهدرون أموال الشعب في إدارة المجمع اللغويّ الواقعة خلف مدرسة « سبهسالار » في هذا الأمر . فقاموا بتغيير اسم « مسجد » إلى « دمرگاه » ؛ و « قبرستان / المقبرة » إلى « گورستان » ؛ و « اجتماع » إلى « گردهمائي » ؛ و « خصوصاً » و « مخصوصاً » إلى « ويژه » ؛ و « جمع وتفريق وضرب وتقسيم » ( العمليّات الرياضيّة الأربع ) إلى « أفزايش وكاهش وزدن وبخش » . وهكذا الأمر في سائر المصطلحات الرياضيّة ، بحيث كان المعلّمون أنفسهم يصابون بالدوار أحياناً ويعجزون عن بيان ما يرمون إليه . وهذه الأمور تحصل من أجل إبعاد الناس عن لغة القرآن ، ولقطع ارتباطهم ب - « نهج البلاغة » ، ولتغريبهم عن الجمعة والجماعة ، ولسلب معرفتهم بهذه المعارف الأصيلة . « 1 »

--> ( 1 ) - من العجيب جدّاً أنّ هذه الأمواج الغربيّة العفنة الواسعة التي أوجدها الاستعمار والطُّفيليّات الفكريّة ذات النزعات الغربيّة لا تزال إلى يومنا هذا تنتقل إلى جامعات إيران عَلناً باسم حفظ الحضارة والميراث الثقافيّ الإيرانيّ ، وباسم القوميّة والتراث الأدبيّ الوطنيّ . وليس من المعلوم أنّ وسائل الإعلام تنشر هذه الأفكار - حين تنشرها - عن جهل أو عن علم وسابق إصرار . فقد نُقل عن راديو طهران أنّه قام قبل عدّة أيام ( منذ يوم 25 ذي الحجّة لسنة 1411 هجريّة قمريّة ) بتعليم أسلوب إحياء المفردات الفارسيّة على أساس إحياء التراث الثقافيّ الفارسيّ . وأعجب من ذلك أنّ الألفاظ التي اختيرت للتغيير كانت بأجمعها من النصوص الشريفة للقرآن الكريم مثل لفظ « هدايت » ، « مسجد » ، « أمر به معروف » وغيرها ؛ وكان يُذكر لكلٍّ من هذه الألفاظ بديلًا من اللغة الفارسيّة ، مع تكرار الراديو القول بأنّ هذه الألفاظ العربيّة قد امتزجت بالفارسيّة ، وبأنّ ثقافة الحضارة الفارسيّة غنيّة في ذاتها عن استعمال تلك الألفاظ العربيّة . وقد يتصوّر بعض السذّج والبُسطاء بأنّ هذا الأمر ، أمرٌ عاديّ بسيط لا ينبغي الالتفات إلى مثله . لكنّ المقولة المطروحة في العالم هذه الأيام ، بأنّ العقل الإسلاميّ الأرثوذكسيّ - حسب تعبيرهم - ينبغي أن يُزال ، وأن يُصار إلى الاعتماد على اللغة ( على أساس القالب الذي تقولب على أساسه فِكر كلّ شعب ، وينبغي قولبة كلّ دولة وامّة حسب الحضارة والثقافة الخاصّة بهما ، وليس اعتماداً على اللغة بحيث تكون وسيلةً للفكر البشريّ الذي يقوم بتجهيزها للنظر إلى عالم الوجود ، وذلك وفقاً لنظريّة المفكّر الألمانيّ هيردر ( H erder ) ويتّضح من ذلك ماهيّة مشروع سعيد عقل في لبنان لإحياء اللغة اللبنانيّة على أساس الميراث الثقافيّ الفينيقيّ الغنيّ ، بحجّة اتّساعها وسهولتها وكثرة مفرداتها في مقابل لغة القرآن ( اللغة العربيّة الفُصحي ) . وسعيد عقل المارونيّ من أتباع القدّيس المسيحيّ المعروف ( مارون ) . كما يمكننا أن ندرك هدف أدونيس وماهيّة مشروعه بخصوص لغة سوريّة على أساس القوميّة السوريّة ( الحزب القوميّ السوريّ ) ، بحجّة أنّ عصر التدوين عاجز عن رسم اللغة العربيّة الفصيحة ، يعني لغة القرآن - والعياذ بالله تعالى . كما يمكننا أنّ ندرك جيّداً أنّ قصد محمّد أركون من مشاريعه في تجديد اللغة وتأريخها ومن كلّ ما ينتهي بنفع الاستعمار ويخدم أهدافه هو نسخ الإسلام وهو الهدف الواضح من خلال حذف هذه الأسماء والعبارات والألفاظ ، بسبب دخول ألفاظ غربيّة غريبة في المجتمعات الإسلاميّة ، دخولًا يسبِّب زوال الآداب والسنن الإسلاميّة التي تعبّر عنها تلك الألفاظ ، ويستبدل بها آداب الكفر وسُننه .